اعتاد محمد مغادرة بيته صباح كل يوم إلى مدرسته الطينية الواقعة في إحدى قرى سامراء . محمد الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، لا يعرف غير تلك المدرسة الطينية التي تبعد نحو نصف ساعة سيرا على الأقدام عن بيته.
فقريته،ذات البيوت الطينية، ليس لها سوى هذه المدرسة التي بناها أهل القرية من الطين، والتي تجمع بين فصولها الدراسية أكثر من 100 تلميذ، ينتظمون للدراسة فيها من الصف الأول إلى السادس الابتدائي قبل أن ينتقلوا إلى مدرسة أبعد، هي الأخرى من الطين.
التجوال في مدارس الطين يشعر المرء وكأنه قد عاد إلى الوراء خمسين عاما، فالمدرسة عبارة عن غرف متلاصقة، وبعضها الآخر متباعد، ووضعت على بعضها لوحات إرشادية، فهذا الصف الأول وذاك الثاني وأخرى للإدارة ورابعة للمعلمين، بينما لا تجد أي مرافق صحية ملحقة بالمدرسة الطينية، وعندما سألنا أحد التلاميذ أين يقضي حاجته، أشار بيده إلى غرفة طينية صغيرة وضعت في مدخلها "خرقة".
مدارس الطين تمثل واحدة من أوجه المعاناة التي يعيشها أطفال العراق، حيث يضطر العشرات من الطلاب إلى الذهاب إلى مدارس لا تتوافر فيها أدنى الشروط التي يجب توافرها في مدرسة .
و تقول المعلمة آمنة عبدالرزاق " إن بعض المدارس الطينية يزدحم فيها الطلبة بشكل يمنع حتى المعلم من إعطاء المادة".
وتضيف "في الفصل الواحد هناك أكثر من 30 طالبا، بعضهم يضطر للجلوس على الأرض، وآخرون يجلسون محشورين من زملاء لهم، ناهيك عن عدم توافر مقاعد كافية لهم، يضاف إلى كل هذا وذاك أن تلك الفصول الدراسية بلا كهرباء وسقفها من الطين، حيث سبق أن انهار أحد الفصول الدراسية قبل عام مما أدى إلى إلحاق إصابات بعدد من الطلبة".
وبحسب إحصائية وزارة التربية العراقية، فإن محافظة صلاح الدين تحتل المرتبة الثانية في العراق من حيث عدد المدارس الطينية، والتي تصل فيها إلى أكثر من 190 مدرسة، تنتشر في العديد من القرى والنواحي التابعة للمحافظة،
ويقول جاسم البازي إنها تمثل قمة المأساة، ويتابع "لقد عجزت وزارة التربية العراقية عن بناء مدرسة واحدة، كل ما جرى هو إعادة ترميم لبعض المدارس، بعضها كانت بحالة جيدة حتى قبل الترميم، بينما لم تتمكن هذه الوزارة من توفير مدرسة واحدة لأهالي القرى الذين ما زالوا يعتمدون على مدارس من طين".
ويبين آلية فتح مدرسة جديدة مبنية من الطين والأكواخ في بعض المناطق، -لاسيَّما النائية منها- قائلا إن "المديرية تطلب من الأهالي تقديم أسماء طلبة لا يقل عددهم عن 45 طالبا في المرحلة الواحدة، والتنازل عن قطعة أرض لا تقل عن دونمين من أحد الأهالي، لكي يتم إنشاء مدرسة في قريتهم".
وأضاف "عندما تتوفر الشروط القانونية لإنشاء مدرسة، فإن مديرية التربية تطالب الأهالي ببناء قاعة للإدارة وصفوف بعدد الطلبة ومراحلهم، وتقوم مديرية التربية بتوفير الكادر التعليمي والأثاث (رحلات، سبورات، أثاث الإدارة)، وفي السنة الثانية عندما تحقق هذه المدرسة النجاح، تكون مديرية التربية ملزمة باعتماد هذه المدرسة، وتثبتها في هذا المكان
ويذكر ان آخر إحصائية لوزارة التربية، فإن عدد المدارس المشيدة بمادة الطين في عموم العراق هو 1012 مدرسة، وأن هذه المدارس تضم 113594 طالبا وطالبة و7079 من الملاكات التعليمية.
وجاء في الإحصائية التي أعلنت عنها الوزارة العام الماضي، أن توزيع المدارس جاء بواقع 234 في ذي قار و190 مدرسة في صلاح الدين و128 في واسط و122 مدرسة في الموصل و68 مدرسة في كركوك و63 مدرسة في ميسان و62 مدرسة في الديوانية و45 مدرسة في بغداد و32 مدرسة في الرمادي و28 مدرسة في ديالى و19 مدرسة في البصرة و16 مدرسة في بابل، فيما سجلت محافظة النجف أقل عدد من المدارس الطينية وفيها مدرسة واحدة.
ولا يقتصر الحال في المدارس الطينية على طبيعة البناء وانعدام الخدمات، بل يتعدى الأمر إلى لجوء تلك المدارس إلى نظام "المزاوجة في الدوام"، حيث إن بعض الأبنية تتقاسمها ثلاث مدارس ابتدائية، بسبب الزخم الكبير للطلبة، مما يضطر القائمون عليها إلى تقسيم الدوام، وهو ما يؤدي إلى قلة ساعات الدوام في المدرسة الواحدة، فبدلا من سبع ساعات أو ست، فإن بعضا من تلك المدارس المزدوجة الدوام، تقتصر على ثلاث ساعات فقط لتتمكن من استيعاب الأعداد المتزايدة للطلبة.
أجيال عراقية تنشأ في ظروف مختلفة، إلا أنها تتشابه من حيث قسوتها، فأطفال العراق يدفعون ثمن الحروب والنزاعات والصراعات، الداخلية والخارجية.. بعضهم يواصل بدفع من الأهل أو برغبة شخصية، وآخرون ينحدرون، هذا تتلقفه جماعة مسلحة، وذاك يقع بقبضة مافيات من نوع آخر، تتاجر بكل شيء حتى بالصغار.
.

















